السيد محمد حسين الطهراني
14
معرفة المعاد
والحيوانات بقدر سعتها الوجودية ، كما يمتلك الانسان والملائكة أيضاً هذه الخواص بحسب قابليّتهم . على انّ الانسان يمتلك من بين جميع الموجودات قوى متضادّة وغرائز مختلفة ، ويتنازعه صراع الرغبات النفسية والشهوات من جهة ، والقوى العاقلة والمجرّدة من جهة أخرى . وبينما تتحدّد دائرة نشاط الحيوانات ويتحدّد اختيارها وإرادتها ، فهي انّما تتحرك لاستجلاب المنافع ودفع المضارّ ، فتطير الطيور في الفضاء ، وتتحرك الحيوانات البحرية في البحر سعياً وراء الصيد ، كما أن الوحوش والحيوانات البريّة لا تتعدّى ولا تتخطّى أمر تمتّع الحسّ والتناسل واعمال غرائزها البسيطة والمحدودة ، إذ انها لا تمتلك هدفاً ولا أمنية الّا ضمن طريق وسلوك محدود ، لذا فانّ مجتمعاتها تكون بسيطة ومحدودة . امّا بالنسبة للانسان فقد تحوّلت الحياة لديه إلى شكل آخر ، حيث أدّى دخول الاعتباريّات في ساحة الحياة الانسانية إلى توسعة دائرة نشاطاته في مختلف زوايا الحياة بصورة مستمرّة . الأمور الاعتبارية هي هوة الحقيقة وحافتها . فقد صارت الأعمال الحقيقية للإنسان مقرونة بسلسلة من الأمور الاعتباريّة ، وأدّت المصالح لحفظ الشأن والحيثيّة ، ولتحقيق الرغبات النفسية ، وشؤون الحياة الموهومة ، والرئاسة والمرءوسيّة ، والملكية والمملوكيّة ، وحبّ الجاه وحسّ التفاخر وحبّ التكاثر ، إلى أن يقوم الانسان بسلسلة واسعة من الفعاليّات والنشاطات . على أنّ النزوع الشديد والميل الحادّ لهذه الأمور الاعتباريّة يبعد الانسان بطبيعة الحال عن عالم المعنى والحقيقة ، ولا يدعه يصل إلى هدفه كما ينبغي له .